العناد عند المراهقين الذكور بسن 17-18
«أُب وأم كل يوم يُؤلم سؤال: ليش قوي؟»
— تعليق من أم لمراهق في منصة دعم الأسرة العربية
وفق دراسات من معهد NIH (المعهد الوطني للصحة الأمريكية) وجامعة هارفارد، فإن الدماغ في هذه الفترة يمر بمرحلة إعادة هيكلة كبرى:
المراهق في سن 12–14 قد يختار الصمت كوسيلة للتفكير والانسحاب المؤقت — ليس رفضًا للأهل، بل حاجة نفسية.
رأي الدكتور بيتر غرينسبان (خبير في علم نفس المراهقين – جامعة ييل):
«الصمت ليس رفضًا للعائلة، بل هو محاولة لبناء هوية مستقلة. عندما يقول المراهق 'لا أريد الحديث'، فهو غالبًا يحاول حماية نفسه من شعور بالفشل أو عدم الفهم.»
كثير من المراهقين يتجنبون الحديث لأنهم يربطون "الإفصاح" بالعقاب أو التوبيخ، حتى لو كان ذلك غير مقصود. مثلاً: لو سألتِ ابنك: "كيف كانت المدرسة؟" ثم ردّ بـ "بخير"، فردّتِ عليه: "لكن معلّمك قال إنك لم تُسلّم الواجب!" — هنا يصبح الصمت استراتيجية بقاء.
الأهل يتحدثون بلغة "الحل" (نصائح، حلول، توجيه)، بينما المراهق يحتاج إلى لغة "الاستماع" (تعاطف، تقبل، وجود). كما توضح الدكتورة سارة جونسون (من مركز الصحة النفسية في لندن):
«المراهق لا يريد حلّ مشكلته في اللحظة؛ يريد أن يشعر بأن صوته مسموع. إذا بدأنا بالنصيحة قبل أن نُظهر التعاطف، نفقد ثقته فورًا.»
في عصر السوشيال ميديا، يعيش المراهق تحت ضغط مزدوج:
- توقعات الأهل (النجاح، الاحترام، الطاعة)
- توقعات الأقران (الـ Popular, الموضة, المروّجات الرقمية)
النتيجة: يُصبح المنزل مكانًا "غير آمن" للتعبير، لأنه لا يُقدّم الدعم العاطفي الكافي مقارنةً بمجموعة الأصدقاء.
البلوغ المبكر (خاصة عند البنات) أو المتأخر (عند الأولاد) يُولّد شعورًا بالخجل أو الغربة عن الجسد. قد يرفض المراهق الحديث عن مشاكله الجسدية أو النفسية خوفًا من التهكم أو الاستهزاء — حتى لو كان من أهله.
الحوار في البيئة غير الرسمية (مثل السيارة) غالبًا أكثر فعالية من الجلوس وجهاً لوجه.
اسم الوالدين: أحمد ومريم (38 و36 سنة)، من الرياض
ابنهم: خالد، 13 سنة، طالب في الصف السابع.
«في البداية، ظننا أنه يُهملنا. كان يدخل غرفته بعد المدرسة ولا يخرج إلا للطعام. كل محاولة للحديث تنتهي بـ 'لا شيء' أو 'مش مهم'. حتى كتب في ملاحظة داخل كتابه: 'أريد أن أتكلم، لكن لا أعرف كيف تفهمونني'.»
بعد زيارة لطبيب نفسي أطفال، اكتشفوا أن خالد يعاني من قلق اجتماعي خفيف وشعور بالضغط من التوقعات الأكاديمية. لم يكن يرفض الأهل — بل كان يخاف من أن يُنظر إليه على أنه "ضعيف" إذا اعترف بأنه يشعر بالضيق.
ما غير الأمور؟
- توقفوا عن طرح أسئلة مباشرة ("كيف كانت المدرسة؟").
- بدأوا بمشاركة تجاربهم الشخصية أولاً: "أنا أيضًا كنت خجولًا في سني، وكنت أخفي مشاكلي عن والديّ".
- خصّصوا وقتًا أسبوعيًّا لـ "اللعبة بدون كلمات": مثل لعب الشطرنج أو رسم لوحة معًا، دون ضغط للحديث.
- استخدموا تطبيقات آمنة لتبادل الرسائل النصية (مثل ملاحظات مكتوبة في دفتر خاص).
بعد 3 أشهر، بدأ خالد يُرسل رسائل قصيرة، ثم يفتح حديثًا طفيفًا، ثم… في أحد الأيام، جلس مع أبيه وقال: "أبي، أحتاج مساعدتك."
هذه ليست قصة استثنائية — بل هي تجربة تُكرّر في مئات العائلات. الفرق الوحيد هو: من يبدأ بالتغيير؟ الأهل أم المراهق؟
الجواب: الأهل. لأنهم يملكون أدوات النضج العاطفي التي لم يكتسبها المراهق بعد.
السؤال "لماذا لم تسلّم الواجب؟" يُولّد دفاعًا. أما "كيف يمكنني مساعدتك في تنظيم وقتك؟" فيفتح باب التعاون.
لا تُجبره على الكلام. قل ببساطة: "أنا هنا متى أردت التحدث. لا ضغط، لا حكم." هذا يُقلل من شعوره بالتهديد.
الابتسامة، اللمسة الخفيفة على الكتف، الجلوس بجانبه دون نظرات تقصير — كلها إشارات تقول: "أنا معك، حتى لو لم تتكلم".
الحوار في السيارة (بدون نظرات مباشرة) أو أثناء تحضير الطعام غالبًا أكثر فعالية من الجلوس وجهاً لوجه في غرفة المعيشة.
إذا قلت شيئًا جارحًا، قل: "آسف، لم أقصد أن أجرحك. هل نستطيع إعادة البداية؟" هذا يُعلّمه أن الخطأ جزء من الإنسانية — وليس عيبًا.
الكتابة قد تكون بوابة آمنة للتواصل عندما يصعب الكلام — دعه يعبّر بطريقته.
الصمت في المراهقة ليس انقطاعًا، بل هو ترجمة مختلفة للحاجة. المراهق لا يرفض أهله؛ بل يبحث عن مكان يشعر فيه أنه مُقدّر كما هو، لا كـ "طالب يجب أن ينجح"، أو "ابن يجب أن يطيع".
كما قال العالم النفسي كارل روجرز:
«الاستماع الحقيقي هو أقوى أشكال الحب الذي يمكن أن نقدّمه لشخصٍ يمرّ بتغيّر جذري.»
إذا كنت والدًا أو والدة لطفل في هذه المرحلة: لا تشعر بالفشل. أنت لست وحدك. فقط تذكّر:
الهدف ليس جعله يتكلم — بل جعله يشعر بأنه آمن enough ليتكلم.
تعليقات
إرسال تعليق