هل إبر الجيم خطيرة على المراهقين؟ اليكِ ما كشفته الغذاء والدواء في الاردن
بقلم ديما الحسين | 6 أغسطس 2026 | ⏱️ وقت القراءة: 9 دقائق
تنويه: الاسم المستخدم بهاد المقال اسم مستعار لحماية خصوصية الأسرة.
سبع كلمات بس. هيك حكى يزن وطلع من المطبخ. وأنا وقفت مكاني، الملعقة لسه بإيدي، وحسيت إنه في شي بينا انكسر من زمان وأنا ما كنت ماخدة في بالي. سبعة عشر سنة عايش معي، وبحضنه، وسهرانة عليه، وفجأة حسيت إني غريبة عنه. مش لأنه هو ابتعد، أنا كنت واقفة بمكاني وهو صار بمكان تاني وأنا ما حسيت.
"شو صار معك اليوم؟" سؤال بسيط، سألته مليون مره وأنا بربيه. هالمرة رفع كتفه وقالي: "مش عارف، عادي." وطلع. وأنا ضليت واقفة، مش زعلانة بس، مصدومة. لأنه صوته وهو بيحكي "مش عارف" ما كان فيه تحدي ولا برود، كان فيه شي تاني، كان فيه ضياع حقيقي. ابني تايه بداخل نفسه وأنا واقفة أمامه ما بقدر أوصله.
قعدت بعدها بساعة أفكر: كم مرة سمعت هالجملة وفسرتها غلط؟ كم مرة حسيت إنه بيرفضني وهو أصلاً ما كان عنده جواب يقوله؟ وكل مرة كنت أضغط أكتر، "ليش ما بتحكيلي؟ أنا أمك!"، كنت أشوفه بينسحب أكتر، وأنا بحسّ إني عم أخسره أكتر، وما كنت فاهمة إني أنا نفسي اللي عم أدفعه لبعيد.
رجعت أفكر بكل السنين اللي مرت بطفولة، كيف كان يزن الصغير يركض لعندي ويحكيلي كل تفصيلة بيومه...
هاد بالضبط الفرق اللي حكيت عنه بمقال الذكاء العاطفي عند المراهق الأردني: إنه المراهق بعمر ١٧-١٨ دماغه لسه بيتطور قدرة يربط الإحساس بكلمة، وهاد بيكتمل غالبًا لحد أواخر العشرينات. "مو عارف" مش هروب، هي أصدق جواب عنده بهيك لحظة، وأنا كنت أحاسبه عليها كأنها إهانة.
فكرت كتير ليش بالذات هلأ، بعد كل السنين اللي كنا فيها قريبين. بعمر ١٧-١٨ في ضغط مضاعف على الشب الأردني: لازم "يصير راجل"، والرجل بحسب الصورة اللي حواليه ما بيحكي عن مشاعره، ما بيضعف، ما بيحتاج اي حدا. وبنفس الوقت أمامه استقلالية وجامعة وقرارات مصيرية، وأحيانًا ضغط توجيهي لسه ما خلص وقعه.
النتيجة شاب مليان من جوا، وما عنده ولا كلمة بيتطلّع فيها اللي جواه. فبيسكت. وأنا كنت أشوف السكوت والصمت وبحسه إبعاد متعمد، وكنت أتألم بصمت أنا كمان، لحد ما صرت أنا نفسي أبعد عنه من كثر الوجع.
هاد الابتعاد التدريجي، اللي حسيته وأنا واقفة أراقب ابني يكبر من بعيد، كتبت عنه بتفصيل أكتر بمقال ابني كان يحضني بدون سبب... التوجيهي سرقه مني، لما حسيت إني خسرت لمسة كانت جزء مني وأنا ما انتبهت متى بلشت تختفي.
قبل هاي التجربة كنت حاسة كل صمت متل بعض. لو ما حكى معي، يعني ما بده، يعني في مسافة، يعني صار "مراهق نمطي" عم يبعد عن أهله متل ما بيصير مع كل الشباب. بس بعد ما عشت التفاصيل يوم بيوم، فهمت إنه في نوعين مختلفين تمامًا من الصمت وأنا كنت أعاملهم نفس المعاملة.
النوع الأول: صمت اختياري، الابن عنده كلام بس ما قرر يحكيه، غالبًا لأنه بده مساحة، أو لأنه بيحس إنه الموضوع خاص فيه لحاله. هاد النوع طبيعي، وكل مراهق بحتاجه.
النوع الثاني: صمت العجز، الابن نفسه ما بيعرف شو بداخله. مش قرار، هو حالة فعلية من عدم القدرة على تسمية الإحساس. وهاد النوع بالذات هو اللي كان عند يزن، وهو اللي كتير أمهات بيخربطوا مع النوع الأول وبيتعاملوا معه بنفس الطريقة الغلط: الضغط، الاستجواب، أو التوقف عن المحاولة بالكامل.
الفرق بينهم مش سهل تلاحظيه من أول لحظة. بس في إشارة بسيطة بتساعد: لو سألتي ابنك سؤال عاطفي وحسيتي إنه فعلاً حيران، مش متجنب، عيونه بتدور، صوته بيتلعثم، هاد على الأغلب عجز حقيقي مش رفض.
بعد أسبوعين، قبل امتحان مهم، كان يزن عصبي بشكل مو طبيعي، مسكر باب غرفته، برد بحدة على أتفه شي. حسيته رح ينفجر. بدل "ليش عم تعصب؟"، وقفت قدام بابه وسألته سؤال ما كنت متوقعة إنه رح يوصلني لحد فيه: "شو حاسس بجسمك هلأ؟"
استغرب. صمت طويل. وبعدين قالي: "حاسس متل إنه في شي ضاغط بصدري."
وقفت بمكاني وحسيت دمعة بتنزل مني بدون ما أحس. مش لأن الجملة حزينة، بس لأنها أول مرة بسنتين يوصف لي إحساس حقيقي من داخله. وفهمت وقتها إنه المشكلة كل هالوقت ما كانت إنه "منغلق" أو "بعيد" أو "صار يكرهني"، المشكلة إني كنت بسأله أسئلة أعقد من اللغة اللي بيملكها.
من هالتجربة صار عندي قاعدة بسيطة: كل ما أحس إنه ابني تايه بسؤال، أرجع خطوة وأبسّط السؤال أكتر. مش استسلام، بس تعديل مسار.
أصعب شي تعلمته إني كأم، دوري مش إني "أفك طلاسم" ابني أو أفرض عليه يحكي. دوري إني أفتحله طريق يقدر يمشي فيه براحته، حتى لو أخد وقت أطول مما كنت أتوقع. تعلمت إنه الصبر مش ضعف، وإنه السكوت المؤقت مش فشل بالتربية، هو جزء طبيعي من رحلة مراهق بيحاول يفهم نفسه.
وكمان تعلمت إني لازم أراجع ردة فعلي أنا قبل ما أحكم على ردة فعله هو. كل مرة كنت أحس بخيبة أمل أو قلق زايد، كان بينعكس على نبرة صوتي وأسئلتي، وابني كان يحس فيها حتى لو ما حكيت. المراهق حساس جدًا لطاقة أهله، وأحيانًا صمته كان رد فعل على توتري أنا، مش بس على إحساسه هو.
كتير أمهات بيسألوا: "شو احكي بالضبط عشان يحكي معي؟" والحقيقة إنه ما في جملة سحرية. اللي غيّر العلاقة بيني وبين يزن مش جملة واحدة حكيتها، كان تراكم أسابيع من المحاولات الصغيرة، بعضها نجح وبعضها فشل. في مرات سألته وسكت، وما ضغطت، وبعد يومين إجا هو لحاله وحكى عن نفس الموضوع.
هاد بالضبط اللي خلاني أفهم إنه بناء الثقة مع مراهق بعمر ١٧-١٨ مش مشروع أسبوع أو اثنين، هو استثمار طويل بيحتاج ثبات وهدوء أكتر مما بيحتاج تقنيات معقدة.
✅ اسألي عن الجسم قبل المشاعر: "معدتك مقلوبة ولا صدرك ضاغط؟" أسهل بكتير من "شو حاسس؟" لأنه الإحساس الجسدي محسوس وملموس، بعكس المشاعر اللي محتاجة مفردات جاهزة.
✅ اعطيه خيارات بدل سؤال مفتوح: "أنت أكتر متضايق، متوتر، ولا متعب؟" الخيارات المحددة بتساعده يلاقي كلمة قريبة من إحساسه بدل ما يواجه فراغ سؤال مفتوح ما بيعرف يبلش منه.
✅ شاركيه إحساسك أنتِ أول: "أنا اليوم حسيت بضغط كبير بشغلي" بتفتح له الباب يشوف إنه التعبير عن الإحساس شي آمن ومقبول، مش ضعف ولا "عيب في رجولته".
✅ توقفي عن محاسبته على الصمت: صرت أعطيه وقت وأرجع أجرب بموقف تاني، بدون ما أحمّله ذنب إنه خيّب أملي أو إنه "ما بيثق فيي."
✅ لا تقارنيه بإخوانه أو أصحابه
كتير أمهات، وأنا منهم بالبداية، بيحسوا إنه موضوع "التعبير العاطفي" مسؤوليتهم لحالهم. بس لما بدأ أبو يزن هو كمان يشارك ابنه جملة بسيطة زي "أنا اليوم كنت متوتر من شغلي"، شفت التغيير بعيوني. صار يزن يحس إنه مش الوحيد اللي بيحس هيك، وإنه التعبير عن الضعف مش وصمة ولا شي بينقص من رجولته.
غياب هالنموذج بالبيت هو بالضبط اللي بيخلي المراهق يفضّل يكره كل شي على إنه يحكي، أو يصمت لحد ما يوصل لمرحلة اللي حسيتها كأم مرعوبة من شو صاير بداخل ابنها، متل ما فصلت بمقال ابنك المراهق صار يكره كل شي؟
مش كل صمت عادي، ومش كل صعوبة تعبير بريئة. في إشارات لازم كل أم تنتبهلها: لو الصمت ترافق مع انسحاب كامل عن الأصدقاء والأنشطة اللي كان يحبها، تغير حاد بالأكل أو النوم استمر أسابيع، أو فقدان تام للاهتمام بأشياء كانت مهمة له، هاد مش مجرد صعوبة بالتعبير، هاد يستدعي استشارة مختص نفسي بدون تأجيل.
الفرق الأساسي: صعوبة التعبير بتترافق مع حياة يومية طبيعية نسبيًا، الابن بيضل ياكل، ينام، يطلع مع أصحابه، بس ما بيحكي عن مشاعره. أما لو كل هاد تأثر، الموضوع أعمق من مجرد "ما بيعرف يحكي."
🇯🇴 المجتمع الأردني وثقافة "الرجال ما بتبكي"
ما بقدر أحكي عن صعوبة يزن بالتعبير من دون ما أعترف بدور المجتمع بهذا الموضوع. من صغره، وهو بسمع جمل زي "شو هالبكاء؟ إنت رجل" أو "عيب تحكي عن اللي جواك، خليك قوي." هاي الجمل، حتى لو انحكت بنية حسنة، بتعلم الولد إنه المشاعر عبء لازم يخبيه، مش جزء طبيعي من إنسانيته.
وبالتالي لما يوصل عمر 17-18، بيكون تراكم عنده سنين كاملة من "الكبت المقبول اجتماعيًا"، وفجأة بدنا منه يعبر بسهولة عن إحساسه لأمه أو أبوه. هاد توقع مش منطقي، لأنه إحنا كمجتمع ما درّبناه على هيك مهارة أصلًا. هون المسؤولية مش بس على الأهل والأفراد، هي مسؤولية جماعية نبدأ نغيّر فيها من بيوتنا أولًا.
بصراحة، أنا نفسي كبرت بنفس البيئة، وسمعت نفس الجمل. وما كنت واعية لحد وقت متأخر إني عم بكرر بعض الأنماط مع يزن بدون قصد، بس بشكل أخف. لما بلشت أنتبه لهاد، صرت أراقب كلامي أكتر، وأتجنب أي جملة ممكن تعلمه إنه التعبير عن الضعف عيب.
لسه بتذكر إني واقفة بالمطبخ، الملعقة بإيدي، وابني طلع وسكر الباب وراه. هاي الصورة ضلت عالقة براسي أسابيع، مش لأنها كانت قاسية، بس لأنها كانت أول مرة أشوف فيها الحقيقة زي ما هي: كنت واقفة أمام ابني وما كنت شايفته.
اليوم لما بسأل يزن "شو حاسس بجسمك؟" وبسمع جواب، ولو كان جواب بسيط، بحس إني رجعت آخد جزء مني كنت خسرته بصمت. مش لأنه ابني تغير، بس لأني أنا تعلمت أشوفه صح.
في أمهات رح يقرأوا هذا المقال ويتخيلوا حالهم بنفس المطبخ، بنفس اللحظة، قدام ابن واقف أمامهم بالجسم بس بعيد بكل شي تاني. لو انتِ وحدة منهم: الجملة اللي بتوجعك مش نهاية الطريق، هي أول إشارة إنه في طريق تاني لازم تجربيه. ابنك مش بعيد عنك، هو تايه، وانتِ الوحيدة القادرة توصله.
ما تخليها متأخرة زيي. جربي السؤال التاني اليوم، مش بكرا.
💬 شاركينا بالتعليقات: شو أكتر جملة قالها ابنك خلتك تحسي إنك ما كنتي تعرفيه زي ما كنتي متأكدة؟
ليش ابني بعمر 17-18 ما بيقدر يعبر عن مشاعره حتى لو حاول؟
لأنه الجزء بالدماغ المسؤول عن ربط الإحساس الجسدي بكلمة واضحة توصفه ما زال بمرحلة تطور، وبيكتمل غالبًا لحد أواخر العشرينات. هاد طبيعي وما يعني إنه في مشكلة نفسية بالضرورة.
كيف أفرق بين مراهق "مش عارف يحكي" ومراهق عنده اكتئاب فعلي؟
المراهق اللي بس صعوبته بالتعبير بيضل يشارك بأنشطته العادية، أكله ونومه وعلاقاته مع أصحابه ما بتتغير بشكل كبير. لو لاحظتِ انسحاب كامل، فقدان شهية، أو تغير حاد بالنوم لأسابيع، هاد يستدعي استشارة مختص.
هل سؤاله المباشر عن مشاعره ممكن يخليه يبعد أكتر؟
الأسئلة العاطفية المباشرة والمفتوحة ممكن تحس المراهق بالضغط لأنه ما عنده جواب جاهز. الأسئلة الجسدية أو المحددة بخيارات بتكون أسهل بكتير وبتقلل إحساسه بالعجز.
شو دور الأب تحديدًا بهاي المرحلة؟
الأب بيقدر يكون نموذج حي لتعبير عاطفي صحي، لما يشارك ابنه إحساسه هو، الشاب بيتعلم إنه التعبير عن المشاعر جزء طبيعي من الرجولة، مش ضعف فيها.
كم وقت لازم آخد قبل ما ابني يبدأ يعبر عن نفسه بشكل أوضح؟
كل مراهق مختلف، بس التغيير بيصير تدريجي مع تكرار المحاولات الهادئة بدون ضغط. الصبر والاستمرارية أهم من أي تقنية محددة.
تعليقات
إرسال تعليق