ابني حكالي جملة وحدة خلتني احس اني ما بعرفه
بقلم ديما الحسين · 28 يوليو 2026 · وقت القراءة: 10 دقائق
💙 وقفت "أم عون" قدام باب غرفة ابنها الفاضية، الغرفة يلي كانت لحد امبارح فيها ريحته وحرامه المرمي على السرير، واليوم صارت بس حيطان بتذكرها بصوت صراخ ملأ البيت وما رجع سكوته.
من قبل شهرين بالضبط، فاجأها عون بجملة ما كانت تتوقعها: إنه مستني يخلص التوجيهي ويصير عمره 18 عشان يستقل ويسكن لحاله. أم عون بلعت الصدمة يومها وقالت بينها وبين حالها بيكبر وبيرجع لعقله. بس اللي صار كان أقسى بكتير من مجرد استقلال ابن كبر.
بعد ما خلص الامتحانات، صارت جواباته أكبر من عمره عليها بمراحل كثيرة. اتهمها بكلمات ما كانت تتخيل يوم تسمعها من تمه هو بالذات: وصفها بالكذابة، وحمّلها كل شي صار بحياته، وبصراخ ملأ البيت جمع أغراضه وراح لأهل أبوه. بدون سؤال، وبدون فرصة تفهم شو صار فعلاً بعقله وقلبه، وبدون حتى جملة واحدة تقول سامحيني إذا قصرت بحقك.
لو سألتي أي أم مطلقة رفعت ابنها لحالها بالأردن، رح تلاقيها بتعرف هالشعور. مش شرط يكون بنفس التفاصيل، بس الجرح واحد: أم ضحّت بشبابها، بوقتها، وبفرصتها بحياة تانية، عشان تربي ابن يكبر ويصير رجل محترم. وبعد كل هذا التعب، أول شي بتسمعه منه وهو صار عمره 18 مش شكراً، كان اتهام.
أم عون ما كانت شخصية حقيقية بالاسم، هي قصة مركبة من عدة قصص وصلتني من أمهات أردنيات، بس التفاصيل والوجع حقيقي مية بالمية، وممكن تكون قصتك إنتِ يلي بتقرأي هذا المقال.
هالنوع من القصص ما بينحكى كتير بصوت عالي، لأنه المجتمع متعود يشوف الأم دايماً هي الطرف يلي لازم يتحمل ويصبر ويسامح، حتى لو كانت هي الطرف يلي انجرح أكتر. وهاد بالضبط سبب إنه كتير أمهات بيعيشوا في مثل هذا الوجع بصمت، بخافوا من الحكم عليهم لو حكوا الحقيقة كاملة.
وكل يلي حواليها كانوا شاهدين على تعبها: خسرت ناس كتير بحياتها عشان تفرغ وقتها وقلبها لعون، وعاندت الدنيا كلها من أجله. وكل مين كان يشوف عون كان يقول عنه "بوني وبعرف أهلي"، والمثل هذا كان بغص قلبها انه ليش كل الناس بتحكي تعبهارح يروح على الفاضي لما يكبر عون وهي ما كانت تصدق هالكلام وبالعكس كانت تمسك في ابنها بأصعب لحظاتها، لحد ما جت اللحظة يلي كل هالثقة انهارت فيها بثانية وحدة.
الحقيقة يلي كتير أمهات ما بيعرفوها: لما الشاب يوصل لمرحلة يحس فيها إنه غلط بشي، سواء صحبة سيئة، أو قرار مالي فاشل، أو تصرف بخجل منه امام نفسه قبل ما يخجل منه امام غيره، أسهل طريق نفسي هو إنه يدور مين يلوم غيره. وأقرب وأضعف طرف في هذه المعادلة، للأسف، هي أمه.
ليش أمه بالذات؟ لأنها الطرف يلي دايماً كان قريب، يلي كان بيسأل ويتابع ويحاسب. وبنفس الوقت هي الطرف يلي متوقع منها تسامح وتتحمل، فالشاب بيحس إنه قادر يرمي عليها كل شي بدون ما يخسرها فعلاً. أو هيك كان يعتقد قبل ما يوصل لحظة القرار.
وإذا كان في طرف تاني بالعائلة، عيلة الأب مثلاً، جاهز يستقبل مثل هيك رواية ويدعمها، الموضوع بيصير أسهل بكتير على الشاب. بيلاقي حضن يصدقه بدون أسئلة، ويحس إنه ما إله داعي يواجه أخطاءه، لأنه لقى مكان يهرب فيه من المواجهة بدل ما يواجه نفسه أول شي.
هاد مش دفاع عن الأبناء يلي بيسيبوا أمهاتهم، ولا تبرير لأي إهمال أو قسوة حقيقية صارت من طرف الأم. بس هو تفسير نفسي لنمط بيتكرر كتير: كلما كانت المسؤولية أصعب يتحملها الشاب، كلما كان اللوم على شخص تاني أسهل يهرب فيه، وأمه غالباً بتكون أول اسم بخطر عالباله.
بعد الصدمة، كتير أمهات بيرجعوا بذكراياتهم لأشهر أو سنين قبل اللحظة، يدورا على علامة فاتتهم. أم عون هي كمان مرّت بالمرحلة، وبصراحة كان في علامات، بس ما كانت واضحة كفاية وقتها لأنها بسيطة وطبيعية بعمر المراهقة.
الشاب يلي بيبلش يبعد عن أمه عاطفياً قبل ما يبعد جسدياً، بيبلش بأشياء صغيرة: يقل حكيه معها عن يومه، يصير يرد بجمل قصيرة، ويبلش يقارن بينها وبين أهل أبوه أو أصحابه بطريقة مو منصفة. هاي كلها إشارات إنه في صوت تاني بيوصله وبيأثر عليه أكتر من صوت أمه.
المشكلة إنه هاي العلامات بتكون خفيفة كتير بحيث الأم بتفسرها على إنها "مرحلة مراهقة عادية"، وفعلاً أغلبها هيك. بس لما تترافق مع طرف خارجي بيغذي فكرة معينة عن الأم، بتصير هاي العلامات الصغيرة حجر أساس لقرار كبير بعدين.
واحدة من أصعب الأشياء يلي عاشتها أم عون بعد رحيل عون، كانت طريقة تعامل المحيط معها. البعض حاول يواسيها، بس البعض التاني، بقصد أو من غير قصد، حمّلها هي المسؤولية: "أكيد في شي صار"، "ما في دخان من غير نار"، "لازم قصرتي بشي".
هاي الجمل، حتى لو ما قصد فيها حدا الإساءة، بتزيد وجع الأم بدل ما تخفف عنها. لأنها بتحس إنها مضطرة تدافع عن نفسها قدام كل شخص، بنفس الوقت يلي هي أصلاً محطمة نفسيا من جوا. وهون بالضبط بتظهر أهمية وجود شخص واحد على الأقل، صديقة أو أخت أو مختصة، بيسمعها بدون ما يحاكمها أو يفتش عن "غلطتها".
وفي مثل شعبي منتشر بكتير مجتمعات عربية سمعته أم عون كتير بعد قصتها: "الولد لأبوه". هالمثل موجود بثقافتنا من زمان، وبيرتاح له كتير ناس لأنه بيعطي تفسير سهل وسريع لموقف معقد. بس المشكلة إنه مثل شعبي، مش قاعدة علمية أو نفسية مثبتة.
في أمهات كتير ربّوا أولادهم لحالهم من الألف للياء، وضلت العلاقة بينهم وبين أبنائهم قوية ومتينة لحد ما كبروا وصار عندهم بيوتهم الخاصة. يلي بيحصل مع ابن معين أقرب لأبوه بمرحلة معينة، مرتبط بظروف خاصة بهالقصة بالذات: تأثير عيلة الأب، عمر المراهقة المتأخرة، طبيعة الشخصية، وقرارات هو أخدها بنفسه. مش قانون ثابت بينطبق على كل أم مطلقة وكل ابن.
وتصديق هالمثل كقاعدة عامة ممكن يضر الأم أكتر من انه يساعدها، لأنه بيخليها تعيش بخوف دائم إنه أي تعب بتقدمه لأولادها رح "يروح هدر" بالنهاية. والحقيقة إنه التعب ما بيروح هدر، حتى لو ما ظهرت نتيجته فوراً أو بالشكل يلي كانت الأم تتمناه.
في كلمتين بتسمعهم كتير أمهات مطلقات ربّوا لحالهم: مسيطرة وغيورة. وغالباً هذه الكلمات بتطلع بالضبط بنفس اللحظة يلي فيها الابن بده يبرر قرار كبير، سواء ترك البيت، أو رفض الزواج، أو الابتعاد عن الأم بشكل كامل.
المفارقة إنه نفس التصرف يلي اسمه متابعة واهتمام وقت ما كان الشاب صغير، بيصير فجأة سيطرة وقت ما بده يبرر غلطه. نفس السؤال وين رايح ومتى راجع، يلي كان طبيعي ومطلوب من أم لوحدها بتربي ابن بدون سند، بيصير دليل على الغيرة الزايدة بعين الابن اللي كبر وبده يلاقي حجة.
الأم يلي تحس بهيك موقف، أهم شي تسأل حالها: هل فعلاً كنت بتمنعيه من حياته وقراراته؟ ولا كنت بس حاضنة إله بغياب أبوه؟ الفرق بين الاثنين واضح جداً، بس للأسف مش دايماً واضح لعين الابن يلي بده يبرر قراره أو يخفف عن حاله شعور الذنب.
أقسى جملة ممكن تسمعها أم من ابنها هي إنه حياته أو قراراته الكبيرة معلقة لحد ما هي تروح من هاي الدنيا. هاي مو بس جملة قاسية، هاي طريقة الشاب يعبر فيها، بشكل غير واعي غالباً، عن رغبته إنه يعاقب أمه على كل مرة حسها فيها إنها كانت حاضرة أكتر من اللازم بحياته.
بس السؤال الأهم يلي لازم كل أم مثل هذا الموقف تسأله لحالها: هل فعلاً وجودي هو العائق؟ ولا هو بيدور مبرر لتأجيل قرار هو خايف ياخده، أو غير جاهز إله أصلاً؟ كتير من الشباب بيستخدموا هاي الجملة مش لأنهم فعلاً بقصدوها، بس لأنها أقوى طريقة يوجعوا فيها أمهاتهم وقت الغضب أو التبرير.
وأحياناً هاي الجملة بتكون كمان انعكاس لصوت تاني سمعه من حواليه، صوت زرع فيه فكرة إنه الأم عائق اله، وهو تبناها بدون ما يفكر فيها كتير، لأنها إجت بلحظة ضعف كان فيها بحاجة لمين يبرر له بدل ما يحاسبه.
مافي وصفة سحرية توقف الوجع، بس في خطوات بتحافظ على كرامة الأم وصحتها النفسية بأصعب اللحظات:
ما تدخلي بمعركة إثبات: مش شغلك تقنعي حد إنك كنتِ أم صح. الشخص يلي قرر يصدق رواية ثانية عنك، مش رح يقتنع بكلامك مهما حاولتِ تشرحي وتبرري. حتى لو جمعتي كل الأدلة والمواقف يلي تثبت تعبك، القرار مش رح يتغير بالمنطق وحده، لأنه أصلاً مش قرار مبني على المنطق.
اتركي الباب مفتوح بهدوء: بدون توسل، وبدون ملاحقة. خليه يعرف إنك موجودة، وخليه هو يقرر متى بده يرجع، من غير ما تفرضي عليه شي هو مش جاهز إله. أحياناً أصعب شي على الأم هو السكوت، بس هالسكوت هو يلي بيحافظ على كرامتها وعلى فرصة رجوع حقيقية بعيدة عن الضغط.
دوري دعم حقيقي: سواء من صديقة، أخت، أو مختص نفسي. مراكز الإرشاد الأسري موجودة بالضبط لهيك لحظات، وما في شي اسمه عيب إنك تطلبي مساعدة تساعدك تفهمي وضعك أكتر. كتير أمهات بيأجلوا هاي الخطوة لأنهم حاسين إنه "لازم يتحملوا لحالهم"، بس تحمل الوجع لحالك مش دليل قوة، أحياناً هو بس تأجيل للانهيار.
افصلي بين حزنك على الفراق وبين شعورك بالذنب: حزنك على غياب ابنك طبيعي وحقك الكامل. بس الشعور بالذنب على أشياء ما سويتيها، هاد لازم تراجعيه بموضوعية، لحالك أو مع مختص يساعدك تشوفي الصورة كاملة. كتير أمهات بيخلطوا بين الاثنين، وبيحملوا حالهم مسؤولية قرار مش قرارهم أصلاً.
حافظي على روتينك اليومي: شغلك، صحبتك، وحتى أشياء بسيطة متل نزهة صباحية أو فنجان قهوة لحالك. هاي التفاصيل الصغيرة هي يلي بترجع الإحساس بالسيطرة على حياتك، بعد ما حسيتي إنك فقدتِ السيطرة على أهم علاقة بحياتك.
الناس متعودة تربط انكسار المرأة بالطلاق أو بفشل حياتها الزوجية. بس وجع أم عون علّمها حقيقة أقسى وأعمق بكتير: إنه الخذلان الأكبر مش من زوج سابق ولا من ظروف الحياة، إنما من الثمرة يلي تعب عمرها راح عليه وانتظرته يكون سندها يوم ما تكبر.
وهاي بالضبط النقطة يلي بتخلي وجع أم عون مختلف عن أي وجع طلاق: إنه بعد ما خلصت رحلة التعب الطويلة، رحلة تربية ابن لحالها بدون سند، بدل ما تبلش رحلة الحصاد والاعتراف يلي كانت تستاهلها، بلشت رحلة فقدان تانية، أقسى من الأولى، لأنها جاية من مكان كانت واثقة فيه مية بالمية.
بعد أشهر من هدوء الصدمة، أم عون ما لحقت تقنع عون بشي، ولا حتى حاولت. بس هي رجعت لنفسها. رجعت تشتغل، رجعت تشوف صحبتها، ورجعت تحكي مع مختصة نفسية ساعدتها تفهم إنه مو كل قرار ابنها له علاقة فيها، وإنه أحياناً الأبناء بيهربوا من أنفسهم مش من أمهاتهم.
وكانت أصعب مرحلة بالنسبة إلها هي لما بلشت الناس حواليها يسألوها "شو صار وين عون، ليش ما بيزورك؟" وكانت مضطرة تختار بين الكذب على نفسها بجواب مريح، أو الصدق يلي بيفتح جرحها من جديد قدام ناس مش دايماً بيفهموا. اختارت مع الوقت إنها تحكي الحقيقة ببساطة، بدون تفاصيل زايدة، وبدون دفاع عن نفسها أكتر من اللازم.
وبيوم من الأيام، طرق عون الباب. ما عندو جواب جاهز، بس عنده سؤال: ليش ما حكيتيلي كل شي من البداية؟ وهون بلشت أم عون تفهم إنه الابتعاد كان أسهل عليه من المواجهة، وإنه أخطاءه هو، مش هي، كانت وراء كل هالقصة من البداية للنهاية.
وجع أم عون ما انتهى بزيارة وحدة ولا بسؤال متأخر. بس هي تعلمت شي مهم: إنه قيمتها كأم ما بتتحدد بردة فعل ابن كبر وتاه لحظة عن الطريق. قيمتها موجودة بكل سنة صبرت فيها، وكل تضحية قدمتها، حتى لو اي حدا ما اعترف فيها بلحظتها. وإنه الرجوع، إذا صار، لازم يكون خطوة صادقة من طرفه هو، مش نتيجة ضغط أو شعور مؤقت بالذنب.
إذا كنتِ عشتي موقف مشابه، أو حسيتي إنه ابنك بدأ يحمّلك أخطاء مش أخطائك، شاركينا قصتك بالتعليقات. صوتك ممكن يكون سند لأم تانية عم تعيش نفس الوجع في هاي اللحظة وحاسة إنها لحالها بهاي المعركة.
ليش الابن بيلوم أمه بدل ما يواجه أخطاءه؟
لأنه لوم الأم أسهل نفسياً من الاعتراف بالخطأ. لما الشاب يعمل قرار غلط، بيلاقي أسهل اشي يرمي المسؤولية على أقرب شخص إله، وأمه غالباً هي الأقرب، خصوصاً إذا لقى طرف تاني بيدعم هيك رواية.
شو الفرق بين الأم القوية والأم المسيطرة بنظر الأبناء؟
أحياناً الشاب بيحوّل أي متابعة أو حزم من أمه لسيطرة عشان يبرر قراره، مع إنه كان بالأصل حماية واهتمام. الفرق الحقيقي بيبين من النية: حماية، ولا منع فعلي؟
كيف تتعامل الأم المطلقة مع اتهام ابنها لها؟
أهم شي ما تدخل بمعركة إثبات، وتحافظ على كرامتها، وتاخد وقتها بالحزن، وتدور دعم نفسي بدل ما تضل تحاول تقنع ابن رافض يسمع.
القصص المذكورة بالمقال هي شخصيات مركبة مستوحاة من عدة تجارب حقيقية وصلتنا من أمهات أردنيات، بأسماء مستعارة حفاظاً على خصوصيتهم. وإذا كنتِ تعيشين وضع مشابه وحسيتي إنه الوجع أكبر من طاقتك، لا تترددي تطلبي دعم من شخص مختص، لأنه في فرق كبير بين إنك تتحملي الوجع لحالك وبين إنك تاخدي المساعدة يلي تستاهليها.
تعليقات
إرسال تعليق